• ×

11:16 صباحًا , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016

التاريخ 30-06-32 06:19 مساءً
تعليقات 2 إهداءات 0 زيارات 1.2K
أدوار التربية " نظرة فلسفية " (4)
التربيةوالعولمة(4)
من خلال ماتم استعراضه في المقالات السابقة يتضح لنا حجم الخلل في التربية وأن عدم وجود فلسفة واضحة تقوم على الاستفادة من موروث الأمة الثقافي المرتكز على تطبيق ما جاء في كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله  لفظاً ومعنى، هو الذي أوقعنا في مأزق التخلف وفقد الهوية بكل أبعادها الثقافية والسياسية والاجتماعية، الأمر الذي آل بنا إلى أمرين:
1- الجمود الثقافي، حيث لم يتطور موروثنا منه.
2- الانفلات الثقافي، وضياع الهوية، لدى من يمثلون الثقافة الجديدة، المتأثرين بدراساتهم الغربية.
ويعتبر هذان الأمران مكمن الخطورة والتحدي الحقيقي أمام النظام التربوي خاصة عند مواجهة التحدي الأكبر القادم من الغرب ألا وهو تحدي العولمة هذه التي أصبحت واقعاً لن تسلم منه أمة، فإما أن نستوعبها و نحسن التعامل معها بشيء من التعقل والنظر إلى مصلحة الأمة - بعيداً عن التزمت والإرهاب الفكري ورفض الآخر والقبلية الدينية- والاستفادة من إيجابياتها وطرح رؤى وأفكار جديدة مستندة إلى موروثنا الثقافي من شأنها استيعاب الجديد والمحافظة على الثوابت - وهذا ما يجب أن يكون- وإما أن نقف أمامها عاجزين ننتظر أن تصل إلينا دون أن نحرك ساكناً فتجتاحنا وتمضي بنا في طريقها حيث اللاعودة، ويؤكد هذا (الجابري، 2000م) حين يذكر أن موقف الأمم والشعوب من العولمة سيأخذ أحد موقفين:
الموقف الأول:
هو موقف الرفض والانغلاق وما يتبع ذلك من ردود فعل محاربة، ومن رغبة في الاحتفاظ بالموروث الثقافي وحمايته من الاختراق وإقامة السدود والحواجز لتحصينه من أن يتأثر بالثقافات الوافدة، وهذا يمكن أن يكون مفيداً، عندما يكون الطرفان على نسبة معقولة من تكافؤ القوى والقدرات، أما عندما يتعلق الأمر بظاهرة عالمية تدخل جميع البيوت وتفعل فعلها بالإغراء والعدوى والحاجة فإن الرفض والانغلاق في هذه الحالة ينقلب إلى موقف بطيء قد تتخلله بطولات مدهشة لكن صاحبه محكوم عليه بالإخفاق.
الموقف الثاني:
فهو القبول التام بالعولمة وما تمارسه من اختراق ثقافي واستتباع حضاري مما ينتج عنه ارتماء في أحضان العولمة والاندماج فيها والإيمان بثقافة الاختراق مما يفقدنا هويتنا ظناً بأنه لا يمكن الوقوف في وجه هذا التيار حيث لا فائدة من مقاومته.
إن انفتاح العالم على بعضه وتشابك مصالحه لن يعطي الفرصة لأي دولة أو أمة للانعزال، وما دام الأمر كذلك فلا بد أن نوجد من الوسائل ما يمكننا من مسايرة الواقع القائم مع الاحتفاظ بخصوصيتنا وهويتنا الثقافية بمفهومها العام.
والعولمة كما يعرفها الكثير هي نظام عالمي يقوم على العقل الإلكتروني والثورة المعلوماتية القائمة على المعلومات والإبداع التقني غير المحدود، دون اعتبار للأنظمة والحضارات والثقافات والقيم والحدود الجغرافية والسياسية القائمة في العالم.
لقد أصبحت العولمة اليوم حقيقة واقعة وتيار يزداد قوة يعصف بكل ما أمامه من قيود العزلة وأسوار الحماية تهدف إلى صياغة ثقافة كونية شاملة تغطي مختلف جوانب النشاط الإنساني ترتكز على الحرية السياسية والتعددية الفكرية والثقافية، ويكمن التحدي الحقيقي للعولمة أمام الشعوب والأمم في كيفية الاستفادة من مكوناتها ومقوماتها الاقتصادية والإعلامية والمعلوماتية والثقافية مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بالهوية الثقافية والموروث الحضاري.
إن خطورة العولمة أو الأمركة كما يسميها البعض تكمن في كونها مفروضة على الشعوب من الخارج وليست نتيجة تفاعل حضاري بينها، تهدف إلى جعل العالم يبدو في صورة معينة تريدها الجهة المهيمنة عليها ( أمريكا ) وذلك بإتباع سياسة القهر الثقافي والسياسي ونشر ثقافة الجينز والكاوبوي في العالم بأسره، خدمة لمصالحها الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وتُعد مؤسسات التربية بمهفومها العام والتي تشمل الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسة الدينية والإعلامية هي أبرز المتأثرين بالعولمة خصوصاً العولمة الثقافية، فهذه الأسرة بدأت تفقد دورها في تزويد أفرادها بالموروث الثقافي للمجتمع لوجود قنوات أخرى يستقي منها الفرد ثقافته ويعتبرها مرجعيته الثقافية، وما ذلك إلا لأن الأسرة لم تستطع الاستفادة من وسائل عصر العولمة في تشكيل أفرادها على نحو يرسخ المفهوم الثقافي لديهم.
وهذه المدرسة أيضاً فقدت دورها في إعداد الإنسان الصالح ومن ثم المواطن الصالح، وتحقيق الشخصية المواطنة المستقلة، المعبرة عن ثقافة المجتمع بكل صورها، واكتفت بتزويد أفراد المجتمع بالمعلومات النظرية التي لا أثر لها في واقع التطبيق.
أما المؤسسة الإعلامية فقد اكتفت بلعب دور المتلقي لكل ثقافات العالم دون أن يكون لها دور في توجيه الأفراد إلى انتقاء ما يصلح لهم من هذه الثقافات، وظل بعض المنتسبين إليها يحذرون من الغزو الثقافي الفضائي (البث المباشر)القادم عبر بث هائل للبرامج والمعلومات من خلال القنوات الفضائية وشبكة المعلومات العالمية ( الإنترنت )، دون العمل لمواجهة هذا الغزو، مما أفقدها دورها المطلوب منها.
ولم يكن الأمر بالنسبة للمؤسسة الدينية وهي أحد مؤسسات التربية بأفضل من سابقيها، فلم تأتي بجديد بل ظلت في خطابها الديني تسير على ما كانت عليه دون انفتاح على العصر وبشكل يواكب متطلباته ويستفيد من وسائله، مما أفقدها الدور المطلوب منها في حماية المجتمع من عوامل الاختراق الثقافي.
واستناداً إلى هذا الوضع الذي أصبحت عليه مؤسسات التربية فإن الأمور لا تبشر بخير، حيث سنكون إما عرضة لاختراق أو عدوان ثقافي يخترق جميع الحصون الفكرية والثقافية والعقائدية لا نستطيع معه عمل أي شيء يجعلنا نحافظ على هويتنا، وإما انكفاء على الذات يجعلنا على موقفي نقيض، فإما أن ننغلق على أنفسنا ونرفض كل ما جاءت به العولمة ونصبح معها خارج خارطة الأمم، وإما أن نقبل بكل ما جاءت به ونصبح مسخاً بلا هوية وبلا مرجعية قيمية أو أخلاقية.

كتبه
د، أسامة بن سليمان القثمي

التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    07-07-32 02:25 صباحًا شمعة مذكور :
    للأسف نحن اليوم نبحث عن الجديد مع أن ثقافتنا أغنى وأقنى فهي ممتده في جذور التاريخ القديم وليست وليدة اللحظة أو الصدفة أنها نتيجة الخبرة والممارسة الحقيقية التي تساعد وتمهد لتربية حديثها قوامها الكتاب والسنة هي ثقافة ترتقي وتعلوا عن الأهواء فهي حقيقة وليست خيال كما تمثل جميع حقائق العلم بالخيال البحت فهي تجربة أنسان وقفت عليها حياتة وأستعداده للعيش الكريم نتمنى أن تؤلف ككتاب ليستفيد منها الجميع لك شكري وتقديري مجهود رائع يستحق وضعه في مؤلف والله يرعاكم
  • #2
    12-07-32 09:07 صباحًا علامي واصلي :
    لك أحترامي وتقديري دكتور : اسامة القثمي , كل يوم نكتشف فيك شيئ جميل ,
    ونحن المسلمون لدينا من الثوابت ما يجعلنا على أرض صلبة أكثر من غيرنا من الأمم , وتبقى التربية هي ما يحدد مسارنا , ولكن مهم حدث فالرجوع إلى هويتنا سهل لللغاية . وفقك الله

    وننتظر مزيدك
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:16 صباحًا الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.
Powered by Dimofinf cms Version 4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Ltd.
إستضافة ودعم مؤسسة رحاب المستقبل RA.NET.SA
التصميم بواسطة ALTALEDI NET