• ×

أدوار التربية ( نظرة فلسفية ) (3)

 1  0  7.3K
عطفاً على المقالتين السابقتين عن أدوار التربية فإن من أدوارها أيضاً غرس المفهوم الثقافي في نفوس المتعلمين بكل أبعاده بدءاً من اللب الذي تمثله العقيدة والمبادئ والقيم العليا التي يتضح منها الهدف من الحياة ومروراً بالأحكام العملية والقواعد والمعايير التي تشكل أساساً للممارسات العملية وموجهات لها وانتهاءً بالمجال المادي الذي يظهر من خلاله الهوية الثقافية للمجتمع والمتمثلة في أنظمة الحياة المشاهدة كاللهجة واللباس وطرق البناء والأثاث وما ينتجه المجتمع وما يستهلكه وطرق البيع والشراء والعلاقات بين الأفراد والجماعات، كما أن التربية هي التي توضح وتكشف حالة الثقافة المجتمعية وهل هي في حالة حراك وتجديد؟ أم هل هي في حالة جمود وانغلاق؟ أم هي في حالة تفلت وانعتاق؟ أم هل هي في حالة صراع وإثبات ذات؟ وهل تسعى إلى التمسك والاهتمام باللب والأساس؟ أم هي تنحى نحو تعظيم الخصوصيات واعتبار المحلي هو الأصل وأن ما دونه فرع منه ؟ بمعنى عملقة المحلي الخصوصي وتقزيم اللب الأساسي.
والآن ومن خلال ما تقدم حول دور التربية في تكوين المجتمع وإعداد المتعلمين للحياة أود أن أتعرض للواقع التربوي السائد في بلادنا من خلال معطياته الحالية:
1- على الرغم من أن الأساس الذي تقوم عليه المعرفة في بلادنا هو معرفة الله جل وعلا بكل شمول هذه الكلمة كما هو معلن في السياسة التعليمية إلا أننا نجد أن مناهجنا ومقرراتنا لا تحقق هذا الهدف بالشكل المطلوب، ويدلنا على ذلك ما نراه من جهل من قبل الدارسين بأمور بسيطة ومعلومة من الدين بالضرورة، ومعلومة أيضاً من الدنيا بالضرورة لا بمعرفتها كمعلومة بل بممارستها كتطبيق، وذلك لأن المناهج والمقررات الدراسية تهتم بحشو المعلومات وتزويد الطلاب بها وتهمل تطبيقاتها العملية وتكوين الاتجاهات لدى الطلاب مما أفرغ المعرفة من محتواها الأساسي، ودورها في إصلاح وتطوير ورقي المجتمع.
2- فرض نوع من المعرفة بناءً على تصورات شخصية تقوم على فلسفة واحدة أدت إلى نوع من المحلية، وإلى تكريس مفهوم أن الحسن والسيئ هو ما نقرره نحن وأن موروثنا المحلي هو الأفضل والأعمق والأشمل، حتى لتجند له كل الإمكانات وتوظف له جميع الطاقات، حتى أصبح هو العام واللب والأساس في المعرفة والثقافة وعلى أساسه تكون المناهج والمقررات.
3- ضعف دور أدوات المعرفة وعدم القدرة على استخدامها بالشكل الصحيح مما أوجد معرفة مبتورة، حيث لم تستطع التربية لدينا تحقيق التكامل المطلوب بين هذه الأدوات التي هي: الوحي والعقل والحواس، حيث لم يوظف الدين بالشكل العملي المطلوب في حل مشاكلنا التربوية والأخلاقية - وإن كان هو الأساس في جميع تعاملاتنا وقضايانا.
4- كذلك بالنسبة للعقل والحواس فلم تستثمر بالشكل الصحيح، فلم تستطع مناهجنا إدراك الحقائق من حولنا وتوظيفها لخدمة مجتمعنا في ضوء مستجدات العصر التقنية والمعلوماتية وغيرها من مستجداته الحديثة، واكتفت في التعامل معها بالسطحية الشديدة مما فوَّت علينا الكثير مما كان يمكن تحقيقه في ضوء امكاناتنا المادية والبشرية.
5- ضعف الاستفادة من تجارب غيرنا الإصلاحية لأننا على قناعة بأن الحق معنا وأننا أصحاب المنهج الصحيح، الأمر الذي أفقدنا القدرة على تكوين تصورات متعددة يقوم عليها منهج الإصلاح التربوي المطلوب.
6- غلبة المفهوم المحلي للثقافة بكل أبعادها (الاجتماعية والاقتصادية والسياسية) على العمل التربوي مما أدى إلى حالة من الجمود الثقافي، حيث ترسخ لدينا أن ثقافتنا المحلية باتت تشكل رمزاً للثقافة والحياة.
7- ظهور نوع من صراع الأجيال نتيجة للتناقض بينهم في المفاهيم، فبينما نجد أن كبار السن يتمسكون بالقديم ويجلونه، نجد أن قطاعاً كبيراً من الجيل الحالي يرفضه بكل مقوماته، وما ذلك إلا لأن مناهجنا ومقرراتنا لم تستطع الموائمة بين متطلبات الواقع الحضاري وبين متطلبات أفراد المجتمع بكل طبقاته، مما أوجد شيئاً من الانفصام القيمي، وظهور سلوكيات لم تكن معروفة في السابق، وانقسم الجيل إلى قسمين: قسم منغلق على ذاته يرفض الواقع بكل أبعاده- ونحن في عصر العولمة- مما أدخله في متاهات التنطع والتزمت الفكري والعمل على رفض الآخر واعتبار الأخذ عنهم ضرب من الكفر يجب مقاومته، وقسم آخر منفلت منفتح على الآخر يرى أن في الأخذ عنهم وتقليدهم السبيل إلى بلوغ التقدم والتحضر، وهذا يعني بالطبع بُعد مؤسسات التربية عن الواقع المعاش وخوضها في قضايا بعيدة عن الواقع والاهتمام بالقشور وتسطيحها للأمور عند مناقشة قضاياها، والخوف من الوافد ونبذه دون التفكير فيه.
8- إهمال فقه الواقع والتعامل معه بجمود، فنحن في عصر العولمة التي يصعب أن نتجنب كثيراً من سلبياتها بدون عمل فكري وتربوي عميق، لا زلنا نناقش في تربيتنا قضايا عفا عليها الزمن بحجة التمسك بالقديم. ونحن لا ننكر أن التمسك بالقديم جزء من تراث الأمة لكن يجب أن لا يشغلنا عن واقعنا، فإن لم نحسن التعامل مع الواقع الجديد سنجد أنفسنا خارج خارطة الحياة، أو أننا استسلمنا لها مما قد يؤدي إلى تفلت ثقافي تضيع معه هويتنا.
9- إخفاق النظام التربوي في تحقيق بعض أهدافه والتي منها إعداد المواطن الصالح، ورب الأسرة جزء منه، الأمر الذي أدى إلى ما نراه يعتري بعض الأسر من ضياع وتفكك وتفلت من القيم لأن المسئول عنها غير كفء لتحمل مسؤوليات الأسرة، فهو لا يؤمن إلا بالمتعة فقط أما التربية والتوجيه فلا، وهذا قد يفسر الضياع الذي نعيشه، وما ارتفاع حالات الطلاق والهروب إلا مؤشر على هذا.
10- إخفاق النظام التربوي ي في إيجاد العامل المنتج، لأن تعليمنا يهتم بنقل المعرفة دون التزويد بالخبرة والمهارة، الأمر الذي أوجد لدينا أنصافاً من المتعلمين والعاملين، حتى أصبحت إنتاجية العامل لدينا في أدنى مستوياتها مما كرّس مقولة السعودي لايعمل أو لايفهم.
11- القضاء على جميع أشكال التفكير المبدع وحصر المعلمين والمتعلمين في أطر محدودة، من المحظور تجاوزها مما أوجد لدينا أنصاف متعلمين أو مثقفين، الأمر الذي أثّر على مسيرة العمل التعليمي والتربوي حتى في أعلى مستوياته، وأدى كذلك إلى ظهور بطالة المتعلمين لأن مستوى المتعلم أو الخريج أقل بكثير من مستوى الشهادة التي يحملها. وأملنا في المشروع الشامل للمناهج أن يعطي الممارسة العملية مساحة أكبر، وأن يحقق المعادلة المطلوبة بين جوانب التربية الثلاث، الدين ، الكون ، الحياة.

كتبه
د. أسامة بن سليمان القثمي
زيادة حجم الخطزيادة حجم الخط مسحمسح إنقاص حجم الخطإنقاص حجم الخط
إرسال لصديق
طباعة
حفظ باسم

التعليقات

التعليقات ( 1 )

  • #1
    . : شمعة مذكور
    24-06-32 11:56 صباحًا
    غياب الفكر الناطق عن الساحة التربوية هو سبب ضعف الثقافة لدى أبناءنا وجود المعلم المثقف صاحب العقل النبيه النقي صاحب البذل والعطاء هو سبب ضعف المعرفة لدى أبناءنا هذه الرسالة التربوية التي تفضلتم بها لابد أن تناقش على مستوى التربويين والمثقفين الذين لديهم القدرة والأستطاعة على تغيير الواقع لكم شكري وتقديري على هذا الفكر الناقد الواعي.
التعليقات ( 1 )

  • #1
    . : شمعة مذكور
    24-06-32 11:56 صباحًا
    غياب الفكر الناطق عن الساحة التربوية هو سبب ضعف الثقافة لدى أبناءنا وجود المعلم المثقف صاحب العقل النبيه النقي صاحب البذل والعطاء هو سبب ضعف المعرفة لدى أبناءنا هذه الرسالة التربوية التي تفضلتم بها لابد أن تناقش على مستوى التربويين والمثقفين الذين لديهم القدرة والأستطاعة على تغيير الواقع لكم شكري وتقديري على هذا الفكر الناقد الواعي.
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:28 مساءً الأحد 6 شعبان 1439 / 22 أبريل 2018.